الإنسان الإيموشن

عالم التقنية 2016-01-02 02:49 135
الإنسان الإيموشن

الإنسان الإيموشن

لا يخفى عليكم ثلاثة أو أربعة رموز تعبيريَّة – وباللفظ الدارج والإنجليزية الإيموشن – انتشرت في العالم أجمع كالنَّارِ في الهشيم. أحدهم وأشهرهم هو الذي يبكي فرحًا، والثاني ذو القلبين!، والأخير هذا الودود الذي لا لم نر عينه بسبب حُمْرة خدّيه.

لننظر إلى استخدامات هذه الرموز التعبيرية كلّ على حِدَةٍ:

الإيموشن .. الضاحك الباكي

في الأساس، وعلى قدر معلوماتي المتواضعة، أن هذا الرمز أُنشِأ للتعبير عن البكاءِ فرحًا. مثلًا بشَّرك أحدهم بأنك ستذهب بك للحجِّ هذا العام؛ فإن أقل ما يمكنك فعله هو البكاء فرحًا على ما مَنّ الله عليكَ به. أو بُشِّرتَِ بمولودٍ مُبارك، وهذه الأنواع من الأفراح المُبهجة التي تستفيض لها المشاعر مما تبلغ السعادة مبلغها؛ ليصل الأمر إلى حدِّ البُكاء.

جميل جدًا ومن الرائع هذا الشعور، إلا أن معظم الناس – إلا مَنْ رحم ربّي – بلغت به السخافة مَبلغها أيضًا، ليستخدم هذا الرمز التعبيري بديلًا لابتسامة ياو مينج – التي تحوَّلت إلى ميمز Mems بعد ذلك – أو تعبيرًا عن “دحرجته” على الأرض من الضحك حدِّ البكاء، بسبب؟

قد يظن البعض أن الأسباب لا بأس بها، لكني لا أتحدَّث عن الأسباب التي تستحق ذلك، وإنما عن الذي اعتاد الأمر حتى صار قهقهته الباكية من خلال استخدام هذا “الإيموشن” عادة على أي أمر مَرِح، سواء كان ذاك الأمر أقصى ما يستحقّه ابتسامة خفيفة، أو كان يستحق ضحكة عالية. إلى أن تفشَّت تلك العادة بين مستخدمي الإنترنت بشكلٍ عام.

سأستعرض الأزمات والأخطاء تدريجيًّا، مِن الأقل إلى الأكثر خطورة.

أوَّلًا، وذكرتها في بداية الحديث، إن هذا الإشعار سبب تصميمه هو لمن يبكي فرحًا – دموع الفَرَح -، أمّا معظم الناس يستخدمونه بديلًا عن مصطلح LOL. استخدام خاطئ، لكن لِنَقُل إنه لا بأس بذلك.

ثانيًا، إدمان استخدام “الإيموشن” الضاحك الباكي بطريقة عبثيَّة، ولا أظنّ أنكم لم تلحظوا هذا النوع من المرض الجديد بين الناس.

ثالثًا، من كثرة أن اعتاد الناس على رؤية هذا الرمز بسبب وبدون سبب؛ أصبح بمثابة “فِعْل فاضِح”. فإذا كان شخص له هيبة ووقار، أو يشغل منصبًا مرموقًا، ثُمّ تمت مُشاهدة هذا الرمز مِنْ قِبَلِه؛ إلا زالت هذه الهيبة، خاصة إن كان ظاهره وطابعه العام أمام الناس فيه شيء من الحزم، أو الالتزام.

رابعًا، تأثيره على الجانب النفسي، وسأستعرضه في نهاية المقال.

ربما يستحق الحديث مزيدًا من الاستضافة، لكن حتى أوجِز العِبارة، وببساطة، فإنَّ نصيحتي لِمَن يقبلها: استخدم هذا الرمز التعبيري كما يحلو لك، لكن ضعه في نصابه الصحيح، واقتصد.

بالمُناسبة، تُرى هل إذا قام أحدهم باستخدام الرمز التعبيري تعبيرًا عن دموع الفَرَح، ما الذي سيتبادر في ذهن المُرْسَل إليه؟ سأدع الإجابة لكم.

الإيموشن .. ذو القلبيْنِ

استخدام هذا الرمز التعبيري هذه المرة في موضعه، إنه بمثابة الإفراط من مشاعِرِ الحُبّ. لكن دعونا نقول إن تأثير الرسوم المتحركة لا يزال يدغدغ مشاعرنا. فإنَّ الشخصية الكرتونيَّة – أيًّا كانت بشرًا أو حجرًا، أو قطًّا أو فأرًا – لم نر عينه تتحوّل إلى قلبين يخرجان من رأسه، إلا لأنَّه رأى الجنس الآخر – محبوبته -. ولا أعتقد أننا شاهدنا هذا التعبير لأنه رأى قِطًّا صديقًا له، أو رأى طعامًا يشتهيه.

لست بصدد الحديث عن هذا النوع من الميديا التي أثَّرت على طبائعنا في الصِّغَر، لننظر فقط إلى استخدامات “ذي القلبين” في تلك الآونة.

الرجل يرسله للرَّجُل، الشاب يرسله للشَّاب، الفتاة لصديقاتها. ربما الآن يتم النظر إلى هذا الرمز التعبيري وكأنَّه شيء عادي ومجرّد تعبيرًا عن الحُبّ، لكنه أصبح في حقيقة الأمر بديلًا عن عبارة “أحبّك في الله”. ناهيك عن كثرة استخدامه في النفاق الوظيفي، ونفاق العلاقات الاجتماعية بشكل عام.

وسأضرب المثل نفسه وأترك لكم الإجابة: تُرَى قبل انتشار هذا الرمز التعبيري بين الناس، إذا رأيتم شخصية في الرسوم المتحركة كُلَّما رأت/رأي كل من هو من بني جنسها/جنسه من أصدقائها/أصدقائه تحوَّلت عينيه إلى قلبين خرجا من رأسه، بِمَ كُنت ستُفَسِّر ذلك مثلًا في التسعينات؟ لا داع للاشمئزاز! لأنه أصبح واقعًا مِنْ حولنا.

الإيموشن .. البَشوش

وإن كان لا يملك قلبًا في هيئته، إلا أن الابتسامة لا توحي لمن يراها إلا بكُلِّ ودٍّ وبشاشة وبراءة متناهية. وغالبًا ما نراه مِمَّن نُحادثهم إذا صدرت مِنَّا كلمة شُكر، أو بعد نقاش حاد وحاول الطرف الآخر أن يذكِّرك بعدم تغيّر الودّ بينكما بسبب ذلك، مشاعر طيِّبة.

أمَّا عن الاستخدام السيئ؛ فحدِّث ولا حَرَج، وأكثرها رواجًا إمَّا استخدامه كـابتسامةٍ صفراء أو ابتسامة مُفْتَعَلَة. لكن على كل حال، يظلّ الوجه البشوش هو الأقلّ خطرًا من حيث الاستخدام السيئ، مُقارنة بالرمزين التعبيريْنِ السَّابِقين.

تأثير الإيموشن على الجانب النفسي

بات الإيموشن في عام 2016 هو بديلًا قويًّا لمشاعر مُستخدِميه في العالم الافتراضي. حتى في حالة إخفاء المشاعر؛ فتجد من يموت مِنك كمدًا يستخدم أمامك “الضاحك الباكي” ليُشعرك بأنه لا يغار منك، وتجد أن المُسوِّقينَ يستخدمون “ذي القلبين” للتأثير على مشاعرك عند مُشاهدة الرمز التعبيري بجانب سلعتهم، أيًّا كانت؛ فَهُم يدركون مدى تأثير “الإيموشن” على عقلك وذهنك، مِمَّا قد يجلب لك ولو 1% من مشاعر الحُبّ تجاه هذا المُنتج دون تدخُّل منك. وبالطبع يُستخدم “البشوش” كما ذكرنا كثيرًا عوضًا عن عبارة “تشرّفنا” و”في الخدمة”.

لماذا يستخدم الناس “الإيموشن”؟

وتجد أن سبب كل ما سبق، هو يقين البشر بأن شاشة الكمبيوتر وعالم الإنترنت الافتراضي لا يمكنه أن ينقل مشاعرهم تجاه الآخرين، والعكس. في السابق، كانت هناك أيضًا رموز تعبيرية على برامج اندثرت أو شبه مُندثرة، على غرار ياهو وإم إس إن ماسينجر، في حين استخدام تلك الرموز التعبيرية لم يكن بهذا الكمّ اليومي واللَّحظي. هل تعرفون السبب وراء ذلك؟

الحقيقة، لما أراها من حولي، أن الإفراط هو السرّ وراء كل ذلك. الإفراط في استخدام الأجهزة الذكيّة أدَّى إلى عدم تواصل حقيقي بين الناس، وأن معظم أوقاتهم على العالم الافتراضي، مِمَّا أدَّى إلى احتياجهم لبديل يوفِّر لهم شيئًا هامًّا كانوا يجدوه ويشعروه في علاقاتهم على أرض الواقع.

إلا أنهم لم يدركوا أن استخدام الإيموشن ليس حلًّا، بل وكما ذكرت لكم، أصبحت الرموز التعبيرية – وأتحدَّث هنا عن المُفرِطِين في كل شيء – مُتلازمة ومَرَضًا غير مؤلم ولا موجع، فقط تمنح إحساسك نشوة بأن غيرك سيتفهَّم شعورك الحالي.

وبطبيعة الحال، أدَّى ذلك إلى استخدام خاطئ وإدماني للرموز التعبيرية، لدرجة أن هناك من لا يتمكَّن من المُحادثة عبر الإنترنت إلا برمز تعبيري – على الأقل – في كل جملة تصدر منه.

مهما استخدمنا مِنْ بدائل عوضًا عن مشاعرنا في العالم الافتراضي؛ تظلّ للحقيقة دفء لا يُعَوَّض. : )

– لمزيدٍ من مقالات ريادة الأعمال والحصول على أفكار مشاريع صغيرة ناجحة – يمكنكم الحصول عليها عبر موقع ريادة.

المصدر: ريادة


رابط المصدر

أحدث المواضيع من موقع عالم التقنية